نور الدين عتر
19
علوم القرآن الكريم
العلماء أنه صلّى اللّه عليه وسلم رأى ربه عزّ وجلّ ليلة المعراج كيف يتفق مع قوله : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ وليس هاهنا حجاب ؟ إلا أن هذا الإشكال في الحقيقة غير وارد هنا إذا ما علمنا أن الوحي الإلهي في هذه المرتبة لا يشبه خطاب الخلق ، بل هو داخل في قوله إلا وحيا ، لأن الوحي إعلام في خفاء ، وقد أبان الإمام المفسر البيضاوي عن ذلك في تفسيره لهذه الآية وهو يفسر إِلَّا وَحْياً : « كلاما خفيا يدرك بسرعة ، لأنه تمثيل ، ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة يتوقف على تموجات متعاقبة » ، فأزاح بذلك شبهة خروج هذه المرتبة عن حد الآية الكريمة . مظاهر الوحي : والوحي في أي مرتبة من مراتبه أمر عظيم يقتضي من الإنسان أن يتجاوز حدود المادة وعالم الشهادة ليتصل بالملائكة وعالم الغيب ، وذلك يقتضي من صاحبه استعدادا يهيئه اللّه تعالى في أولئك الأخيار الذين اصطفاهم من خلقه لهذه المنزلة ، وكثيرا ما كان يحدث للنبي صلّى اللّه عليه وسلم مشقة شديدة في التلقي من الملك . قالت عائشة رضي اللّه عنها : إن الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول » . قالت عائشة رضي اللّه عنها : « ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا » « 1 » . ومن آثار الوحي ومظاهره على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما وردت به هذه الأحاديث : 1 - ما ذكر في حديث السيدة عائشة الذي رويناه سابقا .
--> ( 1 ) متفق عليه : البخاري في مطلع صحيحه ص 2 - 3 ومسلم في الفضائل ( باب عرق النبي صلّى اللّه عليه وسلم . . . ) ج 7 ص 82 .